مَقالةٌ في أَمراضِ التنفُّس عندَ العَرَب

قيم هذا الموضوع
( الأصوات)

أَمراضُ التنفُّس Diseases Of The Respiratory System هي الأَمراضُ التي تَعتَري مسالكَ التنفُّس العُلويَّة (الأنف والفم والحلق والحَنجَرة والرُّغامى) والرِّئتين وغشاء الجنب الذي يحيط بهما ويغلِّفهما.

وقد أَجادَ الأطبَّاءُ العَرَب في بَحثِ الأَمراض المتعلِّقة بجهاز التنفُّس، بحسب مَفاهيمهم ونظريَّاتهم في الأخلاط والقوى والأَمزِجة، فتكلَّموا عن الرُّعاف والزُّكام والنَّزلة من أمراض الأنف، وعن الذَّبحة والخَوانيق من أمراض الحلق، وعن اضطرابات الصَّوت وبُحَّته وانقطاعه من أمراض الحَنجَرة.

وأَفاضُوا في الكَلام عن أمراض الرِّئة وغشاء الجنب، ومنها ذاتُ الجنب pleuritis وذات الرِّئة pneumonia وأورام الرِّئة الصُّلبة والرخوة واجتماع الماء في الرِّئتين وبثور الرِّئة وقروحها ومنها السُّلُّ tuberculosis.

كما تَكلَّموا عن التنفُّس واضطراباته وعُسرته وضيقه، وعن السُّعال والرَّبو ونفث الدَّم.

ونَتَحدَّث هُنا عن نفث الدَّم وذات الجنب وذات الرئة والسُّل.

1. نَفث الدَّم Hemoptysis:

أَطلقَ الأطبَّاءُ العَرب هذا المصطلحَ على خروج الدَّم من فوهات التنفُّس العليا (الفم والمِنخَران) مع مفرزاتٍ أخرى أو من دونِها.

وقد قَسَّموا نفثَ الدَّم إلى عدَّة أنواع، وصنَّفوها بحسب مصدرها وعلاماتها وأعراضها، وميَّزوا بينها تَمييزاً دقيقاً.

يَقولُ ابنُ سينا في نَفث الدَّم: "إنَّ الدَّم قد يَخرج "ثُفلاً" فيَكون من أجزاء الفم، وقد يَخرج "تَنخُّماً" فيكون من ناحية الحلق، وقد يخرج "تَنَحنُحاً" فيكون من القصبة، وقد يخرج "قَيئاً" فيكون من المريء وفم المعدة (الفؤاد) أو من المعدة والكبد، وقد يَخرج "سُعالاً" فيكون من نواحي الصَّدر والرئة ... وكثيراً ما يكون الدَّمُ المنفوث "رُعافاً" سالَ من الرأس إلى الرِّئة ... وكثيراً ما تتَّسع المنافذُ من أجزاء القصبة والشَّرايين فوق الذي في الطبع، فيرشح الدم إلى القصبة ... وإذا عرض الامتلاءُ الدموي ـ وربَّما يقصد بذلك المرضَ الذي نعرفه في هذه الأيَّام باسم "فرط ضَغط الدم Hypertension" ـ أَقبَلت الطَّبيعَةُ إلى دفع المادَّة إلى أيَّة جهة أَمكنتها ... فدفعتها بنفثٍ أو إسالة من البَواسير أو في الطَّمث أو في الرُّعاف ... فإن كانت العُروقُ قويةً لا تتخلَّى عن الدم عَرضَ موتُ فجأة" (ابنُ سينا ـ القانون).

ويُضيفُ ابنُ سينا في ذكر علامات النَّفث قائلاً: "إنَّ القريبَ من الحَنجَرة يُنفَث بسُعال قليل، والبعيدُ بسُعال كثير، وكلَّما كان أبعدَ تنفث بسعالٍ أشد. وإذا نيم على الجانب الذي فيه العلَّةُ، ازداد انتفاثُ ما ينتفث. وعلامةُ الدم المنفوث من جوهر لحم الرِّئة من جراحة أو قرحة أن يكون زبدياً ويكون منقطِعاً لا وجعَ له. والمنفوثُ من عروقها لا يكون زبدياً، وقد يكون غَزيراً" (ابنُ سينا ـ القانون).

2. ذاتُ الجَنب Pleurisy:

وتُسمَّى، في بعض الكتب الطبِّية التراثية، "شُوصَة وبِرساما". يقول صاحب القانون: "قد يعرضُ في الجنب والصِّفاقات والعَضَل التي في الصدر والأضلاع ونواحيها أورامٌ مؤذية جداً موجِعَة، تُسمَّى شوصة وبرساماً، وذات الجنب. وقد تكون أيضاً أوجاعاً في هذه الأعضاء ليست من ورم، ولكن من رياحٍ غليظة، فيُظنُّ أنَّها من هذه العلَّة، ولا تكون منها. قال: وأعلم أنَّ كلَّ وجعٍ في الجنب قد يُسمَّى ذات الجنب اشتقاقاً من مكان الألم ، لأنَّ معنى ذات الجنب صاحبةُ الجنب، والغرضُ به ها هنا وجعُ الجنب؛ فإذا عرضَ في الجنب ألمٌ عن أيِّ سبب كان نُسِب إليه، وعليه حملُ كلام أَبُقراط في قوله: إنَّ أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمَّام. قيل: المراد به كلُّ من به وجعُ جنب، أو وجعُ رئة من سوء مزاج، أو من أخلاطٍ غَليظة، أو لذاعة من غير ورمٍ ولا حُمَّى".

يُحدِّد الرَّازي علاماتِ الإصابة بذات الجنب في قوله المشهور: "إذا حدثَ بالإنسان وجعٌ تحت أضلاعِه ناخِسٌ، وخاصَّة إذا سعلَ سعلةً يابسة، وحُمَّى" (الرَّازي ـ المَنصُوري).

وعرَّف ابنُ سينا ذات الجنب بأنَّها "ورمٌ حارٌّ في نواحي الصَّدر، إما في العضلات الباطنة وفي الحجاب المستبطِن للصدر، وإمَّا في الحجاب الحاجِز ..." (ابنُ سينا ـ القانون).

"وعَلاماتُ ذات الجنب خمسٌ: حمَّى لازمة، ووجع ناخِس تحت الأضلاع ... وضِيق نَفَس ... ونبض مِنْشاري ... وسُعال ..." (ابنُ سينا ـ القانون).

وعَدَّد، بإِسهاب، العلاماتِ والأعراض التي تُفرِّقها عن ذات الرئة وذات الكبد والسُّل.

ثمَّ تَطرَّق إلى ذكر مُضاعفاتِها، ومن أهمِّها الدُّبَيلَةُ empyema (تقيُّح الصَّدر Pyothorax). وفي ذلك يَقول: "فإذا امتلأَ فِناءُ الصَّدر من القيح، كان من علاماته ثِقلٌ وسُعال يابِس مع بَهَر hyperpnea ـ أي تَتابُع النَّفسُ من الإعياء ـ ووجع ... ويكون نَفسُهم مُتَتابعاً ... وتَلزمُهم حمِّى دقَية hectic ـ أي حُمَّى تُعاوِد يومياً ـ ... وقد ينفثُ المتقيِّح شيئاً كثيراً جداً، والمادَّةُ تتميَّز بالنَّتَن fetor عندَ النَّفث، وتَرسُب ولا تطفو. وأمَّا عَلاماتُ انتِقال التقيُّح إلى السُّلِّ ... تَعقُّفٌ من الأظفار ـ ويُقصَد بِها تَعجُّر الأصابع
Clubbing" (ابنُ سينا ـ القانون).

ومَآلُ prognosis ذات الجنب سيِّئٌ جداً، وغالباً ما تَنتَهي بالموت.

أمَّا عِلاجُها، عندَ الأطبَّاء العرب، فيكون بتَسهيل النفث، وإخراج القَيح، وذلك "بمكوى دقيق يُثقَب به الصَّدر" . ويُتَحاشى أن يُلجأ إلى استعمال المخدِّرات ما أمكن، لأنَّها تمنع النضحَ والنَّفث. ويُغَذَّى المريضُ باللحم والغذاء المعتَدِل، ولا يُلتفَت إلى الحمَّى فإنَّها لا تَبرأ ما دامت المادَّة باقيةً.

3. ذات الرِّئة (اللاتهابُ الرِّئوي) Pneumonia:

يَقولُ الرَّازي في وصف ذات الرِّئة: "إذا حدثَ للإنسان حُمَّى مع ضيقٍ شَديد في التنفُّس كأنَّه يختنق، وحُمرَة في الوجنتين كأنَّهما مصبوغتان، ووجعٌ في مقدَّم الصدر، وسُعال، ونفث زبدي، وثِقل في الصدر بلا نخس ولا وخز، فإنَّه به ورمٌ حارٌ في رئته يُسمَّى ذات الرئة" (الرَّازي ـ المَنصُوري).

ويَصفها ابنُ سينا بأنَّها "ورمٌ حارٌّ يَحدث في الرِّئة" (ابنُ سينا ـ القانون).

وهي إمَّا أن تكونَ بِدئِيَّة، وإمَّا أن تكونَ تالية لنَزلةٍ صدرية، أو لخوانيق، أو لذات الجنب.

وعلاماتُها: "حُمَّى حادَّة ... وضيق نَفَس ... وحرارة نَفس شديد... وثِقل في الصدر ... ووجع يمتدُّ من الصدر ومن العنق إلى ناحية القص، وقد يحسُّ به المريضُ بين الكتفين، وقد يحس بضرباتٍ تحت الكتف والتَّرقوة والثدي، إمَّا متَّصلاً أو عندما يسعل، ولا يُحتَمل إلاَّ أن يضطجعَ المريضُ على القفا...، وصاحبُ ذات الرئة يحمرُّ لسانه أوَّلاً، ثم يسودُّ ... ويظهر في وجهه حُمرَة وانتفاخ" (ابنُ سينا ـ القانون).

وهذا المرضُ قاتِلٌ في سبعة أيَّام؛ وقد يَنتقِل إلى ذات الجنب أو إلى السُّلِّ.

4. السُّل Tuberculosis:

"السلُّ قُروحٌ تَحدث في الرِّئة ... إمَّا من نزلة لذاعة أكَّالة أو معفِّنة لمجاوراتها التي لا تسلم معها الرئةُ إلى أن تنضجَ، أو مادَّةُ هذا الجنس تسيل إلى الرئة من عضوٍ آخر، أو تقدم من ذات رئة قد فاحت وتقرَّحت، أو تقيح من ذات جنب انفجرت، أو سبب من أسباب نفث الدم" (ابنُ سينا ـ القانون).

"وعلاماتُ السُّلِّ هو أن يظهر مدَّة ... وحمَّى دقِّية ... تشتدُّ مع الغداة وعندَ الليل ... وفاض العرقُ منهم كلَّ وقت ... وأخذَ البدن بالذُّبول ... والأطراف في الانحناء، والشعر في الانتثار ... ويشتدُّ العطشُ وتبطل الشهوة للطعام ... وكثيراً ما يشتدُّ بهم السعالُ ويؤدِّي إلى نفث الدم ... فالموت" (ابنُ سينا ـ القانون).

"والسنُّ الذي يكثر فيه السلُّ ما بين ثماني عشرة سنة إلى حُدود الثَّلاثين سنة، وهو في البلاد الباردة أكثر ... وقد يَعرِض للمسلول أن يمتدَّ به السلُّ مُمهِلاً إيَّاه برهة في الزمان، وأصحاب قروح الرئة يتضرَّرون جداً في الخريف" (ابنُ سينا ـ القانون).

 

المَراجِع

▪ صَفحاتٌ من تاريخ التُّراثِ الطبِّي العربِي الإسلامي، الأُستاذ الدُّكتور عَبد الكَريم شحادَة.

▪  http://www.iqraa.com/ar/iqraabooks.aspx?bookid=50a111a53&sid=50a115a111b53



 

 

سياسية تحرير المحتوى: اقرأ المزيد

أخر تعديل: 25 سبتمبر 2011