توسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي

قيم هذا الموضوع
( الأصوات)
توسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي - كافة

يُعدُّ توسُّع الشُّعيرات النزفي الوراثي Hereditary haemorrhagic telangiectasia (HHT) من الاضطرابات الجينية الوراثيَّة التي تُصيب الأوعيةَ الدمويَّة. كما تُعرَف هذه الحالة بمتلازمة أوسلر-ويبير-ريندو Osler-Weber-Rendu أيضاً.

الأعراضُ النَّموذجيَّة للإصابة بهذه الحالة هي نزف مستمرّ من الأنف (رعاف) وظهور بقع حمراء واضحة في أماكن مُحَدَّدة من الجسم، تنتشر عادةً على راحات الأصابع والشفاه واللسان والأغشية المخاطيَّة مثل بطانة الأنف والأمعاء.

يبلغ مُعدلُ الإصابة بهذه الحالة شخصاً واحداً من بين كلِّ خمسة آلاف شخص تقريباً.


ما هي طبيعة الخلل عند المرضى المصابين بتوسُّع الشُّعيرات النزفي الوراثي؟

تكون الأوعيةُ الدَّمويَّة غيرَ متخلِّقة بشكلٍ صحيحٍ عند المصابين بتوسُّع الشُّعيرات النزفي الوراثي.

تتفرَّع الشرايينُ عادةً إلى شرايين دمويَّةٍ أصغر وأصغر حتى الوصول إلى شبكةٍ من الشُّعيرات الدمويَّة (أوعية دمويَّة دقيقة)، تقوم بتغذية أنسجة وأعضاء الجسم. وينخفض ضغطُ الدم في هذه الشبكة من الشُّعيرات، ثم ينتقل الدم إلى الأوردة، ويعود عبرها إلى القلب.

أمَّا عندَ المرضى المصابين بتوسُّع الشُّعيرات النزفي الوراثي، فتتَّصل بعض الفروع الشريانية مباشرةً مع الأوردة. وتُسمَّى هذه الاتِّصالاتُ غير الطبيعيَّة بالتَّشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة Arteriovenous malformations (AVMs).

تُعرَف هذه التَّشوُّهاتُ الشريانيَّة الوريديَّة في الأوعية الصغيرة القريبة من سطح الجلد، والتي تظهر على شكل بقعٍ حمراء، باسم توسُّع الشُّعيرات Telangiectasia.

ويمكن لهذه الشعيرات المتوسِّعة أن تنزف بسهولةٍ عندما تتشكل في بطانة الأنف أو الأمعاء. وقد يؤدِّي النَّزفُ المُتكرِّر إلى الإصابة بفقر دم أو حالات أكثر خطورة أحياناً.


أسباب الإصابة بتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي

يكون لدى الشخص المُصاب بتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي جيناتٌ طافرة، ويكون قد ورثها من أحد والديه عادةً.

في الحالة الطبيعية، تقوم هذه الجينةُ عادةً بتوفير التّعليمات للجسم لإنتاج بروتينات مُحدَّدة موجودة في بطانة الأوعية الدَّمويَّة. وفي حالة الإصابة بتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي، تعجز الجيناتُ عن القيام بمهمتها، أو يكون البروتين المُنتَج غيرَ طبيعي.

يكفي وجودُ نسخة واحدة من الجينات الطافرة حتى تحدثَ الإصابة بتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي.


أعراض الإصابة بتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي

تبدأ الأعراضُ بالظهور في مرحلة الطفولة أو سنيِّ المراهقة عادةً.

نزف الأنف (الرُّعاف)

يُعدّ نزفُ الأنفِ العلامةَ الأولى للإصابة بتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي غالباً. وقد يبدأ في أيِّ عمر، وفي مرحلة الطفولة غالباً. وقد يكون نزفُ الأنف متكرِّراً ومستمرَّاً، إلاَّ أنه قد يتحسَّن مع التَّقدُّم بالعمر.

يحدث هذا النَّزفُ لأنَّ الأوعيةَ الدَّمويَّة الموجودة في بطانة الأنف غير طبيعيَّة.

قد تؤدي خسارةُ الدم إلى الإصابة بفقر الدم النَّاجم عن عوز الحديد، وذلك ما لم يُعوَّضُ الحديد من خلال النِّظام الغذائي وتناول المُكمِّلات الغذائية للحديد.

بقع حمراء أو أرجوانية تحت الجلد (توسُّع الشعيرات)

قد تبدأ الأوعية الدمويَّة غير الطبيعيَّة - الشُّعيرات المتوسِّعة - بالظهور تحت الجلد مباشرة، وتبدو للعيان بشكلٍ بقعٍ حمراء أو أرجوانيَّة، وذلك عندما يتراوح عمرُ الشخص بين 20-30 سنة (وأحياناً بعمرٍ أصغر).

يحدث توسُّعُ الشُّعيرات عادةً على أطراف الأصابع والشفاه وبطانة الأنف والأمعاء. وقد تظهر على الأذنين والوجه أحياناً. ويميل عددُها إلى الازدياد مع التَّقدُّم بالعمر.

يكون توسُّع الشُّعيرات مجرَّدَ مشكلة تجميليَّة عادةً، رغم أنها قد تنزف أحياناً.

تشكُّل أوعية دمويَّة غير طبيعيَّة داخل الجسم

قد تتشكَّلَ التَّشوُّهاتُ الشريانيَّة الوريديَّة داخل أنسجة وأعضاء الجسم.

إنَّ الكثيرَ من الأشخاص المصابين بالتَّشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة لا يشكون من أيَّة أعراض، وقد لا يعلمون حتى أنَّهم مصابون بها. وعلى الرغم من أن هذه التشوهات قد تتسبَّب بحدوث مضاعفاتٍ يمكن الوقاية منها، إلاَّ أنَّ حياة معظم الأشخاص المصابين بهذه الحالة تكون جيِّدة.

يعتمد قرارُ علاج التَّشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة على الموازنة بين مدى أمان الإجراء العلاجي ومخاطر ترك الحالة من دون أيّة معالجة؛ ففي بعض الحالات، يكون عدمُ اتخاذ أي إجراء هو الأفضل، وفي أحيانٍ أخرى ينبغي علاج الحالة.

غالباً ما تؤدِّي الإصابةُ بالتشوُّهات الشِّريانيَّة الوريديَّة في الرئتين (التَّشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة الرئويَّة Pulmonary AVMs) إلى انخفاض مستويات الأكسجين في الدم، وقد تسمح بوصول الجلطات الدمويَّة إلى الدماغ، ممَّا ينجم عنه حدوث السكتة الدماغيَّة. كما أنَّه من الممكن حدوث نزف أحياناً، إلا أنَّ ذلك قليلاً ما يحدث في غير الحمل. تتوفَّر علاجاتٌ آمنةٌ يوصى باستعمالها عند الإصابة بالتَّشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة الرئويَّة.

لا تظهر أيَّةُ أعراض عند الإصابة بالتشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة الدماغيَّة عادةً، رغم أنَّها قد تُهيِّج النسيجَ المحيطَ بالدماغ مُسبِّبةً حدوث النَّوبات الصرعية أو الصُّداع. كما قد تتسبب بحدوث نزفٌ يؤدِّي إلى الإصابة بسكتة دماغيَّة، وتبقى مسألة علاجها أو عدمه (في حال لم تترافق بحدوث نزف) من القضايا الخلافيَّة بين الأطباء.

ولا تُسبِّبُ التشوُّهات الشريانيَّة الوريديَّة في أجزاءٍ أخرى من الجسم ظهورَ أيَّة أعراض عادةً.


علاج توسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي

لا يتوفَّر حتى الآن علاجٌ شافٍ لتوسُّع الشُّعيرات النَّزفي الوراثي، إلا أنَّ هنالك بعض العلاجات الفعَّالة لأعراضه. وبشكل عام، فإنَّ الإصابة بالمرض لا تترك أثراً على المعدل الوسطي لأعمار المرضى.

يمكن للطبيب العام أن يتولَّى مهمة الإشراف على علاج بعض الحالات، في حين يكون من الضروري أن يتولَّى الإشراف على بعضها الآخر طبيبٌ مختص.

وبما أنَّ المرأةَ الحامل تتعرَّض للعديد من المخاطر في أثناء فترة الحمل (مثل الزيادة في خطر الإصابة بنزف أو سكتة دماغية)، فمن الضروري إبلاغ الطبيب المشرف على الحمل عن وجود إصابات وراثية بداء توسُّع الشعيرات النزفي في العائلة.

  • المكمِّلات الغذائية للحديد

من المحتمل أن يفقدَ المرضى الذين يُعانون من نزفٍ منتظمٍ من الأنف كثيراً من الحديد بسبب ذلك، وخصوصاً إذا كانوا يعانون من نزف ناجم عن توسُّع الشُّعيرات في الأمعاء أيضاً.

ينبغي تعويضُ الحديد المفقود باستعمال المكمِّلات الغذائيَّة الغنيَّة بالحديد، وقد لا يكون مجرَّد إجراء تغييرات في النظام الغذائي كافياً لذلك.

  • علاج نزف الأنف (الرُّعاف)

قد يحتاج المريضُ الذين يُعاني من نزفٍ أنفيٍّ شديدٍ إلى حشوِ أنفه بشكلٍ إسعافي، حيث يجري حشو الأنف باستعمال قطعة من الشاش أو إسفنجةٍ خاصَّة لذلك.

قد يكون من الضروري مراجعة طبيب الأنف والأذن والحنجرة للحصول على العلاج المناسب، والذي قد يلجاً بدوره إلى كيّ الأوعية النازفة بواسطة الليزر.

كما قد تحتاج الحالاتُ الأكثر سوءاً إلى تطعيم الجلد أو إلى غير ذلك من العمليات الجراحية.

  • إجراء نقل الدم بعد النزف الشديد

قد يكون من الضروري إجراءُ نقلٍ للدم إذا فُقِدَ الكثير من الدم جرَّاء النزف الداخلي أو النزف الأنفي.

  • علاج توسُّع الشُّعيرات بالليزر

يمكن لحالة توسُّع الشُّعيرات على الجلد أو في بطانة الأنف أن تتحسن أحياناً باستعمال الليزر الوعائي Vascular laser أو الضوء النَّبضي المُركَّز Intense pulsed light (IPL).

أمَّا بالنسبة لتوسُّع الشعيرات الحاصل في الجلد، فلابدَّ من إحالة المريض إلى الطبيب غالباً. وقد يستمر العلاجُ بمعدَّل جلستين إلى أربع جلسات سنوياً، وبذلك فإنَّ تكلفةَ العلاج قد تكون كبيرة.

أمَّا بالنسبة لتوسع الشعيرات الدموية في بطانة الأنف، فمن الضروري إحالة المريض إلى الطبيب الاختصاصي بالأنف والأذن والحنجرة.

تصدر عن أجهزة الليزر والضوء النَّبضي المُركَّز حزمةٌ رفيعةٌ من الضوء تستهدفُ أوعيةَ الدم المرئيَّة في الجلد.

تؤدِّي الحرارةُ الناجمة عن الليزر إلى تضرُّر الأوعية المتوسِّعة مُسبِّبةً انكماشها بحيث تصبح غير مرئيَّة، دون أن يسبب ذلك تندُّباً أو تضرُّراً بالمنطقة المُحيطة إلاَّ في الحدود الدنيا.

قد يُسبِّبُ العلاجُ بالليزر الألمَ، ولكنَّ معظم الأشخاص لا يحتاجون إلى تخديرٍ عند استعماله.

  • علاج التوسّعات الشريانيَّة الوريديَّة داخل الجسم

تتطلَّب التوسُّعات الشريانيَّة الوريديَّة داخل الجسم علاجاً مُتخصِّصاً. وسوف يقوم الطبيبُ المختص بشرح أيِّة إجراءاتٍ مقترحة بمزيدٍ من التفاصيل.

فمثلاً، تُعالَج التوسعاتُ الشريانيَّة الوريديَّة في الرئة عادةً حتَّى ولو كانت لا تُسبِّبُ أيَّةَ مشاكلَ واضحة. وهي تُعالَجُ بإحداث صُمّة (إِصمَام) Embolisation تمنع وصولَ الدم إلى التشوُّه الشريانيِّ الوريديّ، حيث تُدخَلُ حشوةٌ صغيرةٌ داخل الشريان الذي يُغذِّي الأوعية الدموية غير الطبيعيَّة.

وقد حلَّ إحداثُ الصّمة محِلَّ الجراحة المفتوحة تقريباً، ويُجرى تحت التركين عادةً (حيث لا يفقد المريض وعيه، وإنما يُساعده على الاسترخاء خلال القيام بالإجراء الجراحي).

أمَّا بالنسبة للتوسُّع الشعيري في الدماغ، فهناك العديد من الخيارات العلاجية، مثل إحداث الصّمة، والجراحة، والمعالجة الإشعاعيَّة الموجهة (بالتصويب المجسَّم) Stereotactic radiotherapy (إيصال الإشعاع إلى الأوعية الدمويَّة بدقَّة). بينما قد تتطلَّبَ التوسعاتُ الشريانيَّة الوريديَّة الكبديَّة استعمالَ أنواعٍ أخرى من العلاجات المُتخصِّصة؛ إلاَّ أنَّ هذه العلاجات غيرُ مناسبة دوماً. وسوف يقوم الاختصاصي بشرح سبب ترك بعض حالات التوسع الشعيري من دون علاج (وخاصَّة الأنواع الدماغية والكبدية)، حيث قد تكون مخاطرُ الإجراء العلاجي أكبرَ من منافعه.










 

سياسية تحرير المحتوى: اقرأ المزيد

المراجع
NHS

 

أخر تعديل: 29 ديسمبر 2015