اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة

قيم هذا الموضوع
( الأصوات)
اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة - كافة

اضطرابُ الشخصيَّة النَّرجسيَّة Narcissistic personality disorder هو اضطرابٌ نفسيٌّ يتضخَّم فيه شعورُ الشخص بأهمِّيته، وتتولَّد لديه حاجةٌ ماسَّة لأن يكونَ موضعَ الإعجاب، وتتدنَّى لديه مشاعرُ التَّعاطف مع الآخرين. ويكمنُ وراء هذا القناع من الثقة المُفرِطة بالنفس صورةٌ مهزوزة للذات تجعل الشخصَ حسَّاساً جداً لأدنى انتقاد.

يتسبِّبُ اضطرابُ الشخصيَّة النَّرجسيَّة بالكثير من المشاكل لصاحبه في شتَّى مجالات الحياة، بدءاً من الدراسة والعمل حتى العلاقات العامة والأمور الماليَّة، حيث إنَّ هذا الاضطرابَ يترك الشخصَ حزيناً وغيرَ راضٍ إذا لم يحصل على التقدير أو الإعجاب الذي يعتقدُ أنَّه يستحقُّه ويليق به. وهو ما يدفع الآخرين للابتعاد عنه وتجنُّبه، فيجد الشخصُ نفسَه معزولاً، ولا يتمتَّع بعلاقات اجتماعية كافية.

يُرَكِّزُ علاجُ اضطراب الشخصيَّة النرجسيَّة على المعالجة التَّخاطبيَّة Talk therapy  (وتُسمى أيضاً المعالجة بالكلام، وهي شكلٌ من أشكال المعالجة النَّفسيَّة).

وقد جاءت كلمةُ نرجسيَّة من إحدى الأساطير اليونانيَّة، حيث يُحكى أنَّ شاباً وسيماً اسمه نرجس رأى انعكاسَ صورته على سطح بركة الماء، فوقعَ في حبِّها.


الأعراض

يُعَدُّ اضطرابُ الشخصيَّة النَّرجسيَّة أحد أنواع اضطرابات الشخصيَّة، وهي حالاتٌ تطبع الأشخاصَ بسمات تدفعهم إلى الشعور والتصرُّف بشكل سلبي ومخيّب، ممَّا يحدُّ من قدرتهم على بناء علاقات ناجحة، سواءٌ في مجال العمل أم الدراسة أم الحياة الاجتماعية.

يكون الشخصُ في حالة الشخصيَّة النرجسيَّة مغروراً أو مُتفاخراً أو مُدّعياً، وغالباً ما يستأثِر بالحديث، وقد يستخِفَّ بالأشخاصَ الذين يراهم دون منزلته ويزدريهم، وقد يتملَّكه إحساسٌ بالتفوُّق ممَّا يدفعه إلى الغضب إذا لم يتلقَّ المعاملةَ الخاصة التي يستحقها -بزعمه-. وقد يكون مُصِرَّاً على الحصول على "الأفضل" من كلِّ شيء،  مثل أفضل سيَّارة وأفضل نادي رياضي وأفضل رعاية صحيَّة.

ويُعاني الشخصُ في نفس الوقت من مشكلة في التَّعامل مع كل ما قد يعتبره انتقاداً. وقد تكون لديه مشاعرُ خفيَّةٌ من عدم الأمان والخجل وسرعة التَّأثُّر والشعور بالمهانة؛ وللتعويض عن ذلك قد يلجأ إلى افتعال الغضبٍ أو الاستخفافَ بالآخرين لكي يبدو بموقع المتفوِّق عليه، أو قد يشعرُ بالاكتئاب وتقلُّب المزاج لأنَّه لم يصل إلى درجة الكمال التي ينشدها.

يستعمل العديدُ من الخبراء المعاييرَ التي تبنَّاها الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النَّفسيَّة – الإصدار الخامس (DSM-5)، والذي نشرته الرابطةُ الأمريكيَّة للطب النفسي لتشخيص الأمراض النَّفسيَّة.

تتضمَّن معاييرُ الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النَّفسيَّة (DSM-5) لاضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة السِّمات التالية:

  • اعتداد مبالغ به بالنفس، والإحساس بأنَّه شخصيةٌ مهمَّة جداً.
  • يتوقُّع من غيره الاعتراف بفضله وتفوُّقه دون القيام بإنجازات تستحقّ ذلك.
  • تضخيم إنجازاته ومواهبه.
  • الانشغال بأوهام حول النجاح والقوة والتألق والجمال، أو وجود قرينٍ له قد بلغ درجة عاليةً من الكمال.
  • الاعتقاد بتفوُّقه وبأنَّه لا يمكن لأحد أن يفهمَه أو يصاحبه ما لم يتميَّز بنفس المستوى من التَّفوُّق.
  • يطلب من الآخرين إظهارَ الإعجاب به بشكلٍ مُستمر.
  • يشعر دائماً بالجدارة والأحقِّية لأن يكونَ الأول.
  • يتوقُّع حصوله على الأفضلية دائماً، مع امتثال الآخرين المُطلَق لرغباته.
  • يستغلّ الآخرين لتحقيق طلباته.
  • يعجز عن فهم احتياجات ومشاعر الآخرين، أو أنه لا يرغب بذلك.
  • يحسد الآخرين، ويعتقد بأنَّ الآخرين يحسدونه كذلك.
  • التَّصرُّف بأسلوب مُتعجرف ومُتغطرس.
  • يسعى إلى الفوز بأيِّ وسيلة كانت، ومهما كلَّفَ الأمر.
  • يتوهّم الحصول على نجاح غير محدود مع امتلاك المال والسلطة.

رغم أنَّ بعضَ صفات اضطراب الشخصيَّة النرجسيَّة قد تبدو شبيهةً بصفات الواثق من نفسه، إلاَّ أنَّها ليست صفات الواثق من نفسه، حيث يتجاوز اضطرابُ الشخصيَّة النرجسيَّة حدودَ الثقة الصحيَّة بالنَّفس إلى درجة يعتقد فيها الشخص بأنه قد بلغ الكمال، ويُعطي الأهميةَ لنفسه أكثر مما يُعطيها للآخرين.


الأسباب

لا تزال أسبابُ الإصابة باضطراب الشَّخصيَّة النرجسيَّة مجهولةً، وغالباً ما تكون مُعقَّدة، شأنها شأن باقي الاضطرابات النَّفسيَّة. وقد يرتبط اضطرابُ الشخصيَّة النَّرجسيَّة بما يلي:

  • وجود خلل في العلاقة بين الأهل والطفل، إمَّا بتدليعه أو نقده بصورة مفرطة.
  • الأسباب الوراثية، أو الأسباب البيولوجية النَّفسيَّة.

عوامل الخطر

الشخصيَّة النرجسيَّة هي اضطراب نادر. وقد تظهر على الأطفال خلال سنوات الطفولة والمُراهقة بعض من سمات النَّرجسيَّة، إلاَّ أنها قد تكون سمةً طبيعيَّةً بالنسبة لمرحلتهم العمريَّة، ولا يعني ذلك أنَّها سوف تتطوَّرُ إلى الإصابة باضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة.

تكون نسبةُ إصابة الذكور باضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة أكبر من نسبة إصابة الإناث، ويبدأ ظهورُ أعراض الإصابة في سنِّ المراهقة أو سنوات البلوغ الأولى عادةً.

وعلى الرغم من أنَّ سببَ اضطراب الشَّخصيَّة النرجسيَّة غير معروف، إلاَّ أنَّ بعضَ الباحثين يَرونَ أنَّ هنالك أسباباً بيولوجيّة وأخرى تربوية، مثلما يحدث عندما يُبالغُ الأهل في مديح الطفل وغرس القناعة بتفرّده، وانتقادِ الفشل والخوف عنده، حيث يمكن أن يكونَ ذلك مسؤولاً بدرجة ما عن حدوث الإصابة.

وقد يعمد الطفلُ إلى إخفاء قلّة احترامه لنفسه من خلال التظاهر بالكمال ونهجِ سلوكٍ يُظهِرُ حاجتَه إلى اكتساب الإعجاب المُستمر.


متى ينبغي مراجعة الطبيب

عندما يكون الشخصُ مُصاباً باضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة، فلن يقبل التفكير بأنه يعاني من اضطراب ما، حيث إنَّ ذلك لا يتناسب مع تصوُّره الذاتي للسلطة والكمال. وغالباً ما لا يطلب هؤلاء الأشخاص العلاجَ النفسي إلاَّ عندما يعانون من أعراض الاكتئاب، والذي غالباً ما ينجم عن إحساسهم بانتقاد الناس أو رفضهم لهم.

وإذا لاحظَ الشَّخصُ أنَّ جوانبَ من شخصيَّته تتقاطع مع الشَّخصيَّة النَّرجسيَّة، فينبغي عندها أن يفكِّر باستشارة طبيب نفسي. فقد يُساعده استعمالُه للعلاج المناسب على جعل حياته أكثر متعةً وفائدة.


الاختبارات والتَّشخيص

يعتمد تشخيصُ اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة على ما يلي:

  • العلامات والأعراض.
  • إجراء تقييم نفسي دقيق للمريض.
  • إجراء فحص سريري للتحقُّق من عدم وجود مشكلة جسديَّة تتسبَّبُ في ظهور هذه الأعراض.

تتشابه بعضُ سمات اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة مع سمات حالات أخرى لاضطراب الشخصيَّة. كما أنَّه من المحتمل أن يُشخَّص لدى المريض أكثر من اضطراب واحد في نفس الوقت.

تبدأ علائمُ الإصابة بهذه الحالة بالظهور عادةً خلال الفترة التي تسبق البلوغ أو خلال سنوات تلك المرحلة التي تتشكَّل فيها الشخصيَّة. كما يمكن أن تظهرَ هذه الصفات بشكلٍ مبكِّرٍ بعمر ثماني سنواتٍ مثلاً، وذلك عند تنامي إدراك الأطفال لردِّة فعل الأشخاص من حولهم.


المضاعفات

يمكن أن تشتملَ مضاعفاتُ اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة غيرُ المُعالَج على ما يلي:

  • مشاكل في العلاقات الاجتماعية.
  • مشاكل مع زملاء العمل أو الدراسة.
  • الاكتئاب.
  • تعاطي الكحول أو المُخدِّرات.
  • التفكير بالانتحار أو الإقدام عليه.

المعالجات والأدوية

  • المعالجة النَّفسيَّة

يرتكز علاجُ اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة على العلاج بالمخاطبة. ويمكن لهذه المعالجة النَّفسيَّة أن تساعدَ على ما يلي:

  • تعلّم كيفية تعزيز الروابط مع الآخرين، بحيث تصبح العلاقاتُ أكثرَ عمقاً ومتعةً وفائدةً.
  • فَهم الأسباب التي أدَّت إلى شعور الشخص بهذه العواطف وما دفعه إلى المشاحنة مع الآخرين وعدم الثقة بهم، بل وربَّما احتقار النفس والآخرين.

قد يستغرق علاجُ الحالة بضعَ سنوات، فليس من السهل تغيير طباع وصفات الإنسان. وسوف يركِّز العلاجُ على إرشاد الشخص إلى كيفية تحمل المسؤولية وتعلّم ما يلي:

  • تقبّل الشخص للأشخاص في محيطه، وتعزيز العلاقات معهم، والتَّعاون مع زملائه في العمل.
  • إدراك الشخص لحدود إمكانياته والقبول بها، والعمل على اكتشاف مواهبه الكامنة، بحيث يَتَمكَّنَ من تقبّل الانتقادات المُوجَّهة إليه أو مواجهة حالات الفشل التي يمرّ بها.
  • زيادة قدرته على فهم وتنظيم مشاعره.
  • تفهّم أضرار الاعتداد الزائد بالنفس، وأثر ذلك على علاقاته مع الناس.
  • التخلّي عن الأحلام بإنجاز أهداف غير قابلة للتحقيق وبلوغ حالات مثاليَّة، والقَبول بما يمكن تحقيقُه وإنجازه.
  • الأدوية

لا توجد أدويةٌ تُستَعملُ بشكلٍ خاص لعلاج اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة. ورغم ذلك، فإذا ظهرت أعراضٌ للاكتئاب أو القلق أو غيرها من الأعراض على الشخص، فقد يكون مفيداً استعمال أدويةٍ مثل الأدوية المضادَّة للاكتئاب أو الأدوية المضادَّة للقلق.

  • نمط الحياة والعلاجات المنزليّة

قد يتَّخذ المريضُ موقفاً دفاعياً، وينكر حاجتَه للخضوع للعلاج ويمتنع عن ذلك. ويمكن أن تتركَ الطبيعة النَّرجسيَّة شعوراً لدى الشخص بأنَّ العلاجَ لا يستحق اهتمامه، وأنَّه مجرَّد مضيعة للوقت، ومن ثم يميلُ إلى النأي بنفسه عمَّن حوله.

وبعدَ البدء بالعلاج، ينبغي على المريض الالتزام بما يلي:

  • الانفتاح وتقبّل الآراء الأخرى، والتركيز على مزايا العلاج.
  • الالتزام بخطَّة العلاج، وذلك من خلال حضور جلسات العلاج المُقرَّرة واستعمال الأدوية وفقاً للتوجيهات. وينبغي التَّذكُّر أنَّ العلاجَ قد يكون شاقَّاً، وقد تحدث انتكاساتٌ في بعض الأحيان.
  • معرفة المزيد من المعلومات حول الحالة، بأن يقومَ الشخصُ بتثقيف نفسه فيما يخصُّ اضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة حتى يكونَ استيعابُه أفضلَ للأعراض وعوامل الخطر والمعالجات.
  • السعي وراء علاج الإدمان أو مشاكل الصحَّة النفسيَّة الأخرى، حيث يمكن لأنواع الإدمان والاكتئاب والقلق والشِّدَّة النفسيَّة أن تُغذِّي بعضها بعضاً، مؤدِّيةً إلى تكوين حلقةٍ من مشاعر الألم والسلوك غير الصحِّي.
  • تعلُّم طرق الاسترخاء والتعامل مع الشِّدَّة النَّفسيَّة، وذلك باستعمال الأدوية أو ممارسة رياضة اليوجا أو رياضة تاي تشاي Tai chi، حيث يمكن لهذه الأساليب أن تكون مُلطِّفة ومُهدِّئة.
  • الاستمرار في التركيز على الهدف. يتطلَّب الشفاءُ من اضطراب الشخصية النَّرجسيَّة تطبيقَ العلاج لفترةٍ طويلة. وينبغي أن يبقى الشخص مندفعاً عن طريق تذكير نفسه بغايات العلاج، وأنَّه من الممكن إصلاح علاقاته المُتضرِّرة مع الناس كي تصبحَ حياتُه أكثرَ سعادة.

المآل والعواقب

تعتمد نتائجُ العلاج على شدَّة الإصابة بالاضطراب.
















الوقاية

لا توجد طريقةٌ معروفةٌ لمنع الإصابة بهذه الحالة، لأنَّ سببَ الإصابة باضطراب الشخصيَّة النَّرجسيَّة غير معروف؛ إلاَّ أنَّه قد يكون من المفيد القيام بما يلي:

  • علاج مشاكل الصحَّة النفسيَّة عند الأطفال في أقرب وقتٍ ممكن.
  • المشاركة في جلسات حل المشاكل العائلية، لمعرفة الطرق السليمة للتعامل مع الصراعات أو الاضطرابات العاطفية.
  • الالتزام بحضور دروس تربية الأطفال وطلب مشورة المُعالِجين أو الاختصاصيين الاجتماعيين عندَ الضرورة.








 

سياسية تحرير المحتوى: اقرأ المزيد

المراجع
Mayoclinic
Webmd
NLM
NHS

 

أخر تعديل: 25 اغسطس 2015