داءُ أديسون وقصور قشر الكظر الثَّانوي

قيم هذا الموضوع
( الأصوات)

داءُ أديسون Addison's disease (قصور قشر الكظر الأوَّلي primary adrenal insufficiency) مرضٌ أو اضطرابٌ ينجم عن عدم قدرة الجسم على إنتاج مقاديرَ كافيةٍ من بعض الهرمونات التي تُصنِّعُها الغُدَّتان الكُظريَّتان adrenal glands.

يحدث داءُ أديسون أو القُصور الكُظري adrenal insufficiency في جميع الأعمار، ويُصيب كلا الجنسين، الذكور والإناث. وقد يشكِّل خطراً على الحياة إذا لم يُعالج بشكلٍ مناسب.

 

تقع الغُدَّتان الكُظريَّتان فوقَ الكليتين، وتتكوَّن كلُّ غدَّة من قسمين: القسم الخارجي والقسم الداخليّ، حيث تقوم الطبقةُ الخارجيَّة منهما (وتُسمَّى قِشر الكُظر adrenal cortex) بتَصنِيع هرموناتٍ تساعد الجسمَ على التعامل مع حالات الشدَّة والكرب stress، وتنظِّم مستوى ضغط الدم، وتحافظ على توازن الماء والملح. ويُشَار إلى

                                                 

هذه الهرمونات باسم الستيرويدات القشريَّة corticosteroids (الضروريَّة للحياة)، وتشتمل على ما يُدعى القِشرانيَّات السكَّرية glucocorticoids (مثل هرمون الكورتيزول cortisol) والقِشرانيَّات المعدنِيَّة mineralocorticoids (مثل هرمون الألدوستيرون aldosterone) وعلى الهرمونات الجنسيَّة الذكريَّة male sex hormones (الأَندرُوجينات androgens)، كما تفرز هرموناتٍ جنسيَّةً، مثل الإستروجين estrogen. كما تحتوي الغدةُ الكظرية على جُزء أو قسم داخليّ يُسمى لبَّ الكُظر medulla، وهو يُنتِج هرموناتٍ شبيهةً بمركَّب يُسمّى الأدرينالين adrenaline. والأدرينالين هو مادَّةٌ كيميائية رافعة لضغط الدَّم ومقوِّيةٌ لضخِّ العضلة القلبية، فضلاً عن بعض الوظائف الأخرى.

وتمثِّل هاتان الغُدَّتان جزءاً من الجهاز الغدِّي الصمَّاوي endocrine system. وهذا الجهازُ يضمُّ عدداً من الغدد الصمِّ (مثل الغدَّة الدرقيَّة thyroid والنُّخامية pituitary والغدد جارات الدَّرَقية "الغدد الدُّرَيقية" parathyroids ... إلخ) التي تؤثِّر في كلِّ عضو ونسيج من الجسم تقريباً، وتعدُّ مسؤولةً بدرجةٍ معيَّنة عن تنظيم عمليَّاتِ التمثيل الغذائي (الاستقلاب) metabolism وعن العديد من العمليَّاتِ الحيويَّة الأخرى في الجسم، مثل المساهمة في ضبط الحرارة وحركة الشَّوارد الكهربائيَّة (الكَهارِل) electrolytes ... إلخ.

  • ·                القِشرانيَّات السكَّرية  Glucocorticoids. هي هرموناتٌ، تشتمل على هرمون الكورتيزول، وتؤثِّر في قدرة الجسم على تحويل الوقود المستمدَّة من الطعام إلى طاقة، وتمارس دوراً مهماً في استجابة الجهاز المناعي للالتهاب، وتساعد على الجسم على التعامل مع الضغوط النفسية والكُروب الحياتيَّة والتحدِّيات.
  • ·                القِشرانيَّات المعدنيَّة  Mineralocorticoids. تحافظ هذه الهرمونات، التي تشتمل على هرمون الألدوستيرون، على توازن عنصرين مهمَّين في الجسم، هما الصوديوم والبوتاسيوم، وذلك بهدف الإبقاء على ضغط الدم طبيعياً.
  • ·                الأندروجينات Androgens. تُنتَج الهرموناتُ الجنسيَّة الذكريَّة بكمّياتٍ صغيرة من الغدَّة الكظريَّة في كلٍّ من الرجال والنساء. وتعمل هذه الهرموناتُ على ظهور السِّمات أو الصِّفات الجنسيَّة لدى الرجال، كما تؤثِّر في القوَّة العضلية والشهوة الجنسية والشعور بالعافية لدى كلا الجنسين.




الأعراض

ماذا يحصل في داء أديسون؟ في هذه المرض لا تُنتِج الغُدَّتان الكظريَّتان (قِشر الكُظر تحديداً) إلاَّ مقداراً قليلاً جداً من الكورتيزول، فضلاً عن كمِّياتٍ غير كافية من الألدوستيرون. ويُطلَق على هذه الحالة اسم القُصور الكُظري adrenal insufficiency أيضاً.

تظهر أعراضُ داء أديسون ببطء عادةً، خلال عدَّة شهور غالباً؛ وقد تشتمل على الأعراض والمظاهر التالية:

  • التعب الشديد.
  • نقص غير مقصود في وزن المريض، ومشاكل هضميَّة مثل التراجع في الشهيَّة للطعام، والغثيان أو القيء أو الإسهال.
  • زيادة في اصطباغ أو اسمرار الجلد (دكونة الجلد)، ويُطلق على ذلك اسم فَرط التَّصَبُّغ hyperpigmentation.
  • انخفاض ضغط الدم، وقد يؤدِّي ذلك في بعض الأحيان إلى الغشي أو الإغماء.
  • شعور المريض بالرغبة أو الميل إلى تناول الملح.
  • انخفاض سكَّر الدم.
  • الألم البطني وأوجاع المفاصل والعضلات.
  • الميل إلى التهيُّج.
  • الاكتئاب.
  • تساقط شعر الجسم أو اضطراب الوظيفة الجنسيَّة عندَ النساء.

الفشل الكظري الحادّ (النَّوبَة الأَديسونِيَّة أو النَّوبَة الكُظرِيَّة)

يمكن أن تظهرَ أعراضُ داء أديسون وعلاماتُه بشكل فُجائي في بعض الأحيان؛ ويكون السببُ في ذلك الشدَّة الجسديَّة الكبيرة، مثل الإصابات والحوادث أو المرض الشديد أو العدوى الشديدة. وهذا ما يُسمَّى النَّوبَة الأَديسونِيَّة addisonian crisis أو النَّوبَة الكُظرِيَّة adrenal crisis. وقد تنطوي هذه المظاهرُ على ما يلي:

  • ألم في أسفل الظهر أو في البطن أو السَّاقين.
  • تقيُّؤ وإسهال بدرجة شديدة، الأمر الذي يؤدِّي إلى نقص شديد في سوائل الجسم (تجفاف dehydration).
  • انخفاض ضغط الدم والدوخة أو فقد الوعي.
  • زيادة في مستوى البوتاسيوم أو ما يُسمَّى فَرط بوتاسيُوم الدَّم hyperkalemia، ونقص في مستوى الصوديوم أو ما يُسمَّى نَقص صُوديوم الدَّم hyponatremia.




الأسباب

ينجم داءُ أديسون عن ضررٍ يلحق بالغُدَّتين الكُظريَّتين، ممَّا يؤدِّي إلى نقص مقادير كلٍّ من هرمونَي الكورتيزول (بشكلٍ رئيسي) والألدوستيرون (بدرجة أقلّ). 

معظمُ حالاتِ داء أديسون تنجم عن الاضطرابات المناعيَّة الذاتيَّة autoimmune disorders (80 في المائة من الحالات)؛ كما أنَّ حالاتِ العدوى وبعضَ الأدوية قد يسبِّبان هذا المرضَ أيضاً.

ما هي الاضطراباتُ أو الأمراض المناعيَّة الذاتيَّة؟ هي أمراضٌ تنجم عن مهاجمة الجهاز المناعي في الجسم لخلايا وأعضاء الجسم نفسه. وفي داء أديسون المناعي الذاتي autoimmune Addison’s (الذي يحدث عندَ النساء في منتصف العمر)، يقوم الجهازُ المناعي بتخريب قشر الكظر بشكلٍ تدريجي.

لا يظهر قصورُ قشر الكظر الأوَّلي primary adrenal insufficiency (داء أديسون) إلاَّ بعدَ أن يتخرَّبَ 90 في المائة على الأقلّ من قشر الكظر. وهذا ما يقود إلى عوز كلٍّ من هرموني الكورتيزول والألدوستيرون. وقد تقتصر الإصابةُ في هذه الحالة على قشر الكظر، لكن يمكن أن تُصابَ غددٌ أخرى في الجهاز الغدِّي الصمَّاوي أحياناً أخرى، كما في حالةٍ تُدعى متلازمة العَوَز الغُدِّيّ الصَّمَّاوِيّ المُتَعَدِّد polyendocrine deficiency syndrome.

العدوى

يعدُّ السُّلُ أو التدرُّن tuberculosis (TB)، وهو عدوى قد تخرِّب الغدَّتين الكُظريتين، مسؤولاً عن 10-15 في المائة من حالات داء أديسون في بعض البلدان؛ ولكن، مع زيادة مكافحة انتشار السلّ وتحسُّن طرق معالجته تراجع وقوعُ داء أديسون الناجم عن السلّ؛ غيرَ أنَّ بعضَ الإحصائيَّات الحديثة تشير إلى زيادة في وقوع داء أديسون بسبب السلّّ وغيره من الأمراض العَدوائيَّة infectious (مثل عدوى مرض يُسمَّى الفَيروس المُضَخِّم للخَلايا cytomegalovirus)، لاسيَّما بعدَ حدوث مرض الإيدز أو متلازمة العوز المناعي البشري المكتَسب HIV/AIDS.

أسباب أخرى

هناك أسبابٌ أقلّ شيوعاً لداء أديسون، مثل:

  • · انتقال الخلايا السرطانية إلى الغدَّتين الكُظريتين من سرطانٍ آخر بعيد في الجسم.
  • · مرض يُسمَّى الداءَ النَّشوانِي amyloidosis؛ وهو مجموعةٌ من الأمراض التي تحدث عندما تتراكم بروتيناتٌ شاذَّة غير طبيعيَّة (تُسمَّى النَّشَوانِيَّات amyloids) في الدم، وتتوضَّع في النُّسُج والأعضاء.
  • · الاستئصال الجراحي للغدَّتين الكظريتين.
  • · العيوب الوراثيَّة، بما في ذلك التخلُّقُ غير الطبيعيّ للغدَّتين الكظريتين، وعجزهما عن الاستجابة لهرمون يُفرَز من الغدَّة النُّخامية ويُسمَّى الهُرمُونَ المُوَجِّه لقِشرِ الكُظر ACTH (adrenocorticotropic hormone)، أو بسبب عيبٍ في إنتاج الهرمونات الكظريَّة.
  • · النَّزف ضمن الغُدَّتين الكظريتين، ويتجلَّى ذلك بحدوث نوبةٍ كظريَّة (قصور حاد في الغُدَّتين الكظريتين) من دون أيِّ أعراض مُنذِرة.
  • · أسباب متعلِّقة بالأدوية، مثل بعض الأدوية المضادَّة للفطريَّات والدواء المخدَّر المسمَّى إيتُوميدات etomidate.

قصور قشر الكظر الثَّانوي

يمكن أن يحدثَ قصورُ قشر الكظر الثَّانوي secondary adrenal insufficiency عندما تُصاب الغدَّةُ النخاميَّة بمرضٍ أو اضطراب؛ فالغدَّةُ النخاميَّة تصنِّع هُرمُوناً يُطلَق عليه اسم الهُرمون المُوَجِّه لقِشر الكُظر adrenocorticotropic hormone (ACTH)، وهذا الهرمونُ يقوم بتنبيه الجزء الخارجي من الغدة الكظريَّة (أي قِشرَ الكُظر) لإنتاج هرموناته. وعندما يكون إفرازُ أو إنتاج الهُرمون المُوَجِّه لقِشر الكُظر أقلّ من المستوى الطبيعي، ينعكس ذلك على قشر الغدَّة الكظريَّة، فلا يُنتِج ما يكفي من هرموناته، مع أنَّ هذا القشرَ طبيعيّ وغير متضرِّر. ومن هنا جاء مصطلحُ قصور قشر الكظر الثَّانوي.

كما أنَّ هناك سبباً أكثر شيوعاً لقصور قشر الكظر الثَّانوي ينجم عن التوقُّف المفاجئ عن استعمال الستيرودات القشريَّة، كالكورتيزون، بعدَ إعطائها المديد لحالاتٍ مرضيَّة مزمنة.




التشخيص

يقوم الطبيبُ بالحصول على تاريخٍ مرضي من المريض، كما يجري فحصاً سريرياً (جسدياً) له. وعندما يشتبه بأنَّ المريضَ مصابٌ بداء أديسون، يمكن أن يطلبَ إجراءَ الاختبارات التالية:

  • ·                الاختبارات الدمويَّة: قياس مستويات الصوديوم والبوتاسيوم والكورتيزول والهُرمون المُوَجِّه لقِشر الكُظر في الدم، حيث تعطي هذه المستوياتُ مؤشِّراً أوَّلياً على سبب المشكلة. كما يمكن قياسُ الأضداد التي ترتبط بداء أديسون المناعي الذاتي.
  • ·                اختبار التنبيه بالهُرمون المُوَجِّه لقِشر الكُظر ACTH stimulation test. هو أكثر الاختبارات استخداماً في تشخيص القصور الكُظري حيث يُعطى المريضُ حقنةً وريديَّة من نوعٍ تركيبِي أو تصنيعيّ من هذا الهرمون، وتُؤخَذ عيِّناتٌ من كلٍّ من البول والدم أو من أحدهما قبل الحَقن وبعدَه. في الحالة الطبيعيَّة، تتجلَّى الاستجابةُ بعدَ حقن الهُرمون المُوَجِّه لقِشر الكُظر بحدوث ارتفاعٍ في مستويات الكورتيزول في الدم والبول. أمَّا في مرضى داء أديسون أو في القصور الكُظري الثانوي المزمن، فلا تحدث استجابة، أي زيادة في مستويات الكورتيزول، أو تكون الزيادةُ بسيطة.
  • ·                اختبار نقص سكَّر الدم المُحدَث بالأنسولين Insulin-induced hypoglycemia test. يُطلَب هذا الاختبارُ في بعض الأحيان عندَ الشكِّ بأنَّ السببَ في القصور الكُظري (الثانوي) قد يكون مرضاً في الغدَّة النخامية. ويقوم هذا الاختبارُ على تحرِّي مستويات سكَّر الدم أو الغلوكوز والكورتيزول على فتراتٍ مختلفة بعد حقن الأنسولين. في الحالة الطبيعيَّة عندَ الأشخاص الأصحَّاء، ينخفض سكَّرُ الدم وتزداد مستوياتُ الكورتيزول.
  • ·                اختبارات أخرى. قد يُجرى للمريض تصويرٌ مقطعي محوسب computerized tomography (CT) scan للبطن بهدف التعرُّف إلى حجم الغدَّتين الكظريَّتين وتحرِّي أي مظاهر غير طبيعيَّة قد تفسِّر السببَ في القصور الكُظري. كما يمكن إجراءُ تصوير بالرَّنين المغناطيسي  MRI scan للغدَّة النخامية عندما تشير الاختباراتُ إلى أنَّ سببَ المشكلة هو القصور الكظري الثَّانوي.

تشخيص النوبة الكظريَّة

قد لا يكون التشخيصُ ميسَّراً بدقَّة خلال النوبة الكظريَّة، غير أنَّ قياسَ الكورتيزول والهُرمون المُوَجِّه لقِشر الكُظر في الدَّم خلال هذه النوبة، قبلَ البدء بإعطاء الستيرويدات القشريَّة يمكن أن يقودَنا إلى تشخيص أوَّلي. كما أنَّ قياسَ مستويات البوتاسيوم والصوديوم والسكَّر في الدم مفيد أيضاً، حيث ينخفض كلٌّ من الصوديوم والسكَّر، بينما يكون البوتاسيوم مرتفعاً خلال النوبة.

المعالجة

يُعالجُ القصورُ الكظريّ بإعطاء الهرمونات التي تُفرِزها قشرةُ الغدَّة الكظرية في الحالة الطبيعيَّة، وذلك لاستعادة مستوياتها في الدَّم. وتشتمل خياراتُ المعالجة على ما يلي:              

إعطاء الستيرويدات القشريَّة عن طريق الفم أو الحُقَن، مثل الهيدروكوتيزون Hydrocortisone وأسيتات الكوتيزون cortisone acetate. كما قد يُعطى دواء فلودروكوتيزون fludrocortisone للتعويض عن هرمون الألدوستيرون (حيث يُعطى مرَّةً إلى مرَّتين يومياً).

  • وقد يلجأ الطبيبُ إلى زيادة جرعات الستيرويدات في حالات معيَّنة، لاسيَّما خلال النشاط الرياضي العنيف أو الأجواء الحارَّة أو عند إجراء الجراحة أو بوجود مشاكل هضمية (مثل الإسهال) أو في حالات العدوى والأمراض.

تعدُّ النوبةُ الكظريَة حالةً خطرة على الحياة، حيث تؤدِّي إلى انخفاض ضغط الدم ونقص مستويات السكَّر والصوديوم وارتفاع البوتاسيوم في الدم. ولذلك، تتطلَّب هذه الحالة معالجةً إسعافية ومراقبة عن كثب. وتقوم المعالجةُ على إعطاء أدوية وريدية مناسبة، مثل الهيدركورتيزون والمحلول الملحي النظامي والسكَّر (دكستروز dextrose).




المضاعفات والعواقب

  • · يعيش معظمُ مرضى داء أديسون حياةً شبه طبيعيَّة إذا التزموا بالعلاج الهرموني وتعليمات الطبيب. ولكن، يمكن أن تحدثَ بعضُ المضاعفات نتيجة نقص العلاج أو زيادته. وتشتمل هذه المضاعفات على ما يلي:
  • · التهاب الغدَّة الدرقية المزمن أو فرط نشاطها أو قُصُور الغدد المجاورة للدرقيَّة.
  • · الداء السكَّري.
  • · اضطراب وظيفة المبيضين عندَ النساء، وفشل الوظيفة الخصويَّة عند الذكور.
  • · نوع شديد من فقر الدم، يُسمَّى فقر الدَّم الوَبيل pernicious anemia.




موانع استعمال الدواء

 

سياسية تحرير المحتوى: اقرأ المزيد

المراجع
NHS Choices, UK

 

أخر تعديل: 25 سبتمبر 2016