الماء والنظافة في الإسلام

قيم هذا الموضوع
( الأصوات)

لقد اهتمَّ الإِسلامُ اهتِماماً كَبيراً بنطافَة جِسم الإنسان؛ ويبدو لنا هذا الاهتمامُ جَلِيَّاً في تَشريعاتِه السَّامية المتمثِّلة في إيجاب الوُضوء والغُسل، والأمر بغَسل اليَدين قبلَ الأكل وبَعدَه، وغسل الثِّياب وتَطهيرها، وما إلى ذلك. كما ربطَ الإسلامُ ما بين ذلك وبين العِبادة الفَرديَّة والجَماعيَّة، تَأكيداً منه على العَلاقة المُتَكامِلة ما بين الجِسم والرُّوح.

ففي الوُضوء، يجري غَسلُ الأعضاء المعرَّضة للتلوُّث والغُبار كثيراً، كالوَجه واليَدين، أو المعرَّضة للتعطُّن مثل القَدمين. وقد جعل الله عزَّ وجلَّ الوضوءَ شَرطاً لصحَّة الصَّلاة، إِذ قالَ تعالى: {ما يُريد الله ليجعلَ عليكم من حَرَج، ولكن يُريد ليُطهِّرَكم} [المائِدَة، 6]. كما اشترطَ الطَّهارةَ لصحَّة الطَّواف بالبَيت الحَرام. قال تعالى: {فيه رِجالٌ يُحِبُّون أن يَتَطهَّروا والله يُحبُّ المُطهَّرين} [التَّوبة، 109]. ولقد حتَّمَ الإسلامُ على المُسلِم أن يكونَ نَظيفاً نَقياً خالِصاً من الأَقذار والأَدران والنَّجاسَة، ويتلخَّصُ ذلك في قَولِ النَّبي  صلَّى الله عليه وسَلَّم: [الطَّهورُ شَطرُ الإيمان] (رواه مُسلِم).

وقد شَرَع الله الوُضوءَ وجَعلَه فَرضاً على كلِّ مُسلِم يُريد الصَّلاةَ، فقال تعالَى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصَّلاة فاغسلوا وُجُوهَكَم وأَيديَكم إلى المَرافِق، وامسَحوا برُؤوسِكم، وأَرجُلَكم إلى الكَعبين ...} [المائدة، 6]؛ وقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم: [لا يَقبلُ اللهُ صَلاةً إلاَّ بطَهور] (رَواهُ ابنُ ماجَة)، وقالَ: [لا صَلاةً لمن لا وُضوءَ له] (رَواهُ ابنُ ماجَة)، وقال: [مِفتاحُ الصَّلاة الطَّهور] (رَواهُ ابنُ داوود).

والوُضوءُ في الإِسلام غَسلٌ لليَدين والذِّراعين والقَدمين والوَجه ومسحٌ للرَّأس ومَضمْضمةٌ واستِنشاق للمَاء، كما وردَ عن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام. والوُضوء طَهارةٌ للجسد والرُّوح، يُكمِّل بَعضُهما البعضَ الآخر، وقد دلَّ على ذلك قولُه صلَّى الله عليه وسَلَّم: [إذا تَوضَّأَ العبدُ المُسلِمُ أو المؤمن فَغَسَلَ وَجهَهُ خَرَجَ مِن وَجهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيهَا بِعَينَيهِ مَعَ المَاءِ أَو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيهِ خَرَجَ مِن يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أَو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجلَيهِ خَرَجَت كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتهَا رِجلاهُ مَعَ المَاءِ أَو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ حَتَّى يَخرُجَ نَقِيَّاً مِنَ الذُّنُوبِ] (رَواهُ مُسلِم).

ولم يُهمِل الإِسلامُ حالةَ من لم يَنتقِض وُضوؤه، إذ قد يَكتَفي بالوُضوء مرَّةً أو مرَّتين في اليوم واللَّيلة، بل حثَّه على تكرار وضوئِه وتَجديد نَظافتِه، فقد [كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم يَتَوضَّأ لكلِّ صَلاة] (رواه التِّرمذي)، وإن كان لم يُوجِب ذلك على أمِّتِه، لكنَّه رغَّبَ فيه، فقال: [من تَوضَّأ على طُهرٍ كتبَ اللهُ له به عشرَ حَسناتٍ] (رواه التِّرمذي).

كما دعا الإسلامُ إلى الوُضوء في عَديدٍ من المناسَبات الأخرى، غير مُناسبة الصَّلاة؛ فقد طلبَ من الجُنُب الوُضوءَ إذا أرادَ الأكلَ أو النَّوم، والجُنُبُ هو من باشرَ الجِماعَ أو نزلَ منه المنيُّ حتَّى وإن لما يُباشِر الجِماع. والجنابةُ تَستَلزِم غسلَ البَدن كلِّه. ومع ذلك، نرى تشجيعَ الجُنُب على الوُضوء ريثما يَغتَسِل؛ فقد سُئِل النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام عن الجُنُب هل ينام أو يأكل أو يشرب، فقال: [نعم، إذا تَوضَّأَ وضوءَه للصَّلاة] (رواهُ ابنُ ماجة).

كما طلبَ الإسلامُ من الرَّجُل إذا جامعَ زوجتَه، ثمَّ أرادَ أن يُباشِرَها مرَّةً ثانية، أن يَتوضَّأَ قبلَ ذلك، ففي الحَديث: [إذا أتى أحدُكم أهلَه، ثمَّ أرادَ أن يعودَ فليتوضَّأً] (رَواه مُسلِم).

كما يُسنُّ الوضوءُ عندَ الغَضَب، ومن مسِّ الميِّت، ومن حَملِه، وعندَ قراءة القرآن والحَديث، وعندَ تلقِّي العِلم، ودخول المَسجِد، والأذان، والخطبة، وزيارة القُبور.

ومن ذلك كلِّه، نجد أنَّه لا يكاد يَعلَق بالجِسم بعضُ مُفرَزاته، أو شيء من الأتربة أو الأَوساخ من خارِجه، إلاَّ ويأتِي الوضوءُ على عَجل فيَنـزعها عن جسم الإنسان، فيَسلم بدنُه، ويألفه من يُجاوِره، ولا يتأذَّى أحدٌ من قذارته. وهكذا نجد أنَّ الوضوءَ هو الضَّمانة الأكيدة لنظافة البَدَن ونضرته ونقائه وصَفائه.

سياسية تحرير المحتوى: اقرأ المزيد

المراجع
كتاب
منظمة الصحة العالمية
كتابُ الماء والإِصحاح في الإسلام
عبد الفتَّاح الحسيني الشَّيخ

 

أخر تعديل: 22 فبراير 2012