الضمور العضلي الدوشيني

الضمور العضلي الدوشيني - كافة يعدُّ حثلُ دوشين العضلي أحدَ أكثر أنواع الحَثَل العضلي انتشاراً (والحثلُ العضلي هو حالةٌ من التغيُّرات المَرضيَّة تحدث في العضلات نَتيجةً لخلل في تغذيتها ونموِّها، ولأسباب وراثيَّة عادةً)، وهو يُصيب واحداً من كلِّ عدَّة آلاف من الأطفال الذكور. وتتَّصف مُختَلِفُ أنواع الضُّمور العضلي بأنَّها وراثية جميعاً، كما أنَّها كلُّها تجعل عضلات الجسم تضعف شيئاً فشيئاً. تبدأ الأعراضُ في عمر السنتين تقريباً، وتتدهور الحالةُ في حثل دوشين بسرعة كبيرة مقارنةً مع باقي أنواع الحثل العضلي. تُصاب عضلاتُ الساقين أوَّلاً، ممَّا يجعل من الصعب على الطفل أن يجري ويمشي ويصعد الأدراج. كما تضعف العضلاتُ بين عمر الثامنة وعمر الثانية عشرة؛ ولذلك، يغدو الطفلُ عاجزاً عن المشي. أمَّا المجموعةُ الثانية من العضلات التي يُصيبها المرضُ فهي عضلاتُ الذراع والكتف واليد. وعندما تبدأ عضلاتُ الظهر بالضعف، يصبح العمودُ الفقري منحنياً إلى الأمام على نحو متزايد. ويؤثِّر ضعفُ عضلاتُ الصدر في التنفُّس، وقد يحتاج الطفلُ في نهاية المطاف إلى جهاز تنفُّس اصطناعي "مِِنفاس" لمساعدته على التنفُّس.



يعدُّ حثلُ دوشين مرضاً ينتقل بالوراثة من نساء ناقلات للمرض، أو "حاملات للمرض"، ويمكن معرفةُ ما إذا كانت المرأةُ تحمل هذا المرض أو لا تحمله بواسطة الفحوص الجينيَّة أو الوراثيَّة. وليس هناك من علاج لحثل دوشين، ولكن هناك بعضُ المعالجات التي يستخدمها الأطبَّاءُ لإبطاء تدهور المرض والحدِّ من المضاعفات. ومن هذه المعالجات:

• المعالجة الفيزيائية (الطبيعيَّة).

• المعالجة المهنيَّة.

• المعالجة بأدوية الستيرويدات القشريَّة (الكروتيزون ومستحضراته).

• كما قد يتمُّ اللجوءُ إلى إجراء عملية جراحية للتخفيف من الأعراض المؤلمة.

مقدِّمة

الحثلُ العضلي هو مجموعةٌ من الأمراض الوراثية. وتؤدِّي هذه الأمراضُ إلى جعل عضلات الجسم تضعف تدريجياً.

يعدُّ حثلُ دوشين العضلي من أكثر أنواع الضُّمور العضلي انتشاراً، وهو يُصيب الأطفالَ الذكور بشكلٍ رئيسي. وهذا المرضُ غير قابل للشفاء، ولكن هناك بعض الطرق للمعالجة.

يقدِّم هذا البرنامجُ شرحاً عن حثل دوشين العضلي. حيث يقدِّم في البداية عرضاً سريعاً عن الحثل العضلي بشكلٍ عام، ثمَّ يتحدَّث عن علامات حثل دوشين وأسباب هذا المرض وطرق تشخيصه والمعالجات المتوفِّرة. وفي النهاية، هناك فصلٌ عن كيفية التعايش مع الضُّمور العضلي.


ما هو الحثلُ العضليُّ؟

الحَثَلُ العضلي هو مجموعةٌ من الأمراض الوراثية، تؤثِّر في عضلات الجسم، فتجعلها أضعفَ شيئاً فشيئاً.

هناك أكثرُ من ثلاثين نوعاً للحثل العضلي، ولكن يوجد تسعة منها أكثر انتشاراً من البقية. أمَّا حثلُ دوشين فهو الأكثر انتشاراً بينها، حيث يُصيب واحداً من بين كلِّ ثلاثة آلاف طفل من الأطفال الذكور.

يمكن أن يبدأ الحثلُ العضلي في مرحلة الطفولة أو في سنِّ البلوغ. وقد يؤثِّر في العضلات ببطء أو بشكل سريع جداً. وهو مرضٌ وراثيّ دائماً.

يتحدَّث هذا البرنامجُ عن حَثَل دوشين العضلي. وهناك حَثَلُ بيكر العضلي، وهو مشابهٌ لحَثَل دوشين. والفارقُ الوحيد هو أنَّ حَثَل بيكر يبدأ في سنٍّ أكبر.

ليس هناك طريقةٌ واحدة فقط لمعالجة الحَثَل العضلي. ومن المعالجات المستخدمة:
  • المعالجة الفيزيائية (الطبيعيَّة).
  • اسخدام الأجهزة المساعدة أو الدَّاعمة.
  • الأدوية.
  • الجراحة.


لا تؤدِّي المعالجة، مع الأسف، إلى الشفاء من الحَثَل العضلي، ولكنَّها تستطيع أن تُبطئَ تدهورَ المرض، وهذا ما يساهم في تحسين نوعيَّة حياة المريض.

تترقَّى الأنواعُ المُختَلِفة للحثل العضلي بسرعات متفاوتة. ويمكن أن يعيشَ المريضُ في الأنواع البطيئة بمتوسِّط حياة طبيعي.

أمَّا في أنواع الحَثَل العضلي التي تترقَّى بسرعة، مثل ضمور دوشين، فإنَّ العضلات التنفُّسية تصبح ضعيفة في مرحلة مبكِّرة من العمر، وهذا ما يسبِّب مشاكل تنفُّسية تؤدِّي إلى الموت في أواخر سنوات المراهقة إلى أوائل العشرينات عادة.


علامات حَثَل دوشين العَضَلي

بما أنَّ حثلَ دوشين العضلي مرضٌ وراثيٌّ، فإنَّ الطفل يُولد وهو مصاب به. ولكنَّ الأعراض لا تظهر حتَّى يبلغ الطفلُ السنتين من العمر تقريباً. وتتفاقم الأعراضُ في حثل دوشين بشكل أسرع إلى حدٍّ ما مقارنةً مع الأنواع الأخرى من الحَثَل العضلي.

يعاني الطفلُ المصاب بحثل دوشين العضلي، عندما يقارب السنتين من عمره، من بعض الاضطرابِ في مواكبة الأطفال الآخرين خلال الجري. كما أنَّه يتمايل إلى حدٍّ ما عندما يمشي أو يركض.

وبعد فترة من الوقت، يجد الصبيُّ صعوبةً في صعود الأدراج، حيث يضطرُّ، على سبيل المثال، إلى نقل كلتا قدميه إلى الدرجة قبل أن ينتقلَ إلى الدرجة التالية. وربَّما يبدأ بسحب نفسه إلى الأعلى مستخدماً أيَّ شيء يستطيع الإمساك به.

يبدأ الصبيُّ خلال الأشهر الثمانية التالية بالمشي على رؤوس أصابعه، كما يبدأ عمودُه الفقري بالانحناء نحو الأمام. وتبدو العضلاتُ في هذه المرحلة طبيعية، بل يمكن أن تبدو أضخمَ من المعتاد، ويظهر ذلك بشكلٍ خاص في عضلات ربلة الساق.

يبدأ الولدُ بالسقوط مراراً في أثناء المشي؛ ويحتاج إلى جرِّ نفسه بواسطة التعلُّق بالأشياء؛ وربَّما يضع يديه على الأرض عندما يقف، ثمَّ يرفع جسمه عن طريق نقل يديه على ساقيه صعوداً. وسرعان ما يصبح عليه الاستناد إلى كرسي كي يقفَ بالطريقة نفسها.

وما بين عمر الثامنة وعمر الثانية عشرة، تصبح العضلاتُ ضعيفة جداً، بحيث أنَّ الطفل لا يستطيع المشي. وسوف يحتاج إلى كرسيٍّ متحرِّك.

بالرغم من أنَّ الذراعين تضعفان في مرحلة مبكِّرة من المرض، فإنَّهما لا تضعفان بسرعة ضعف الساقين. وبعدَ أن يصبح الصبيُّ معتمداً على الكرسيِّ المتحرِّك، يصبح ذراعاه وكتفاه ضعيفين إلى درجة أنَّه لا يستطيع الإمساك بالأشياء، ويأتي وقتٌ يصبح فيه غيرَ قادر على رفع يده إلى فمه.

يفقد الصبيُّ قوَّةَ أصابعه ويديه تدريجياً، ممَّا يجعل القيام بالحركات المعقَّدة أمراً في غاية الصعوبة.

وعندما تضعف عضلاتُ الظهر، فإنَّ العمود الفقري يبدأ بالتقوُّس والانحناء؛ وتُسمَّى هذه الحالة ‎الجَنَف‎. وقد يستمرُّ انحناءُ العمود الفقري مع مرور الوقت حتَّى تستندَ الأضلاعُ على عظمَي الوركين.

تنكمش الأوتارُ في الوركين والركبتين والكتفين والمرفقين. وينحني الفخذان إلى الأعلى باتجاه المعدة. كما تتَّجه القدمان نحو الأسفل، وينعقل الذراعان إلى الجانبين، ويكون المرفقان منحنيين. وهذا ما يُسمّى بالتَّقفُّعات.

كما أنَّ عضلاتِ الصدر تصبح ضعيفة، ويتأثَّر التنفُّس، فيصبح الولدُ غير قادرعلى التنفُّس بعمق أو السعال بشكل جيِّد. ويمكن أن تسبِّب حالاتُ الزكام أو الرشح الخفيفة، في هذه المرحلة، الإصابة بالعدوى والالتهاب الرئوي.

ربَّما يصبح الصبيُّ بحاجة إلى جهاز دعم التنفُّس "المِنفاس" مع تزايد ضعف عضلات الصدر؛ وقد يؤدِّي الالتهابُ إلى جعل الرئتين غير قادرتين على تزويد الجسم بالأكسجين؛ ويمكن أن يسبِّب هذا الأمرُ الموت.

قد يحدث الموتُ في بعض الحالات بسبب الضعف الشديد في عضلة القلب، إلى درجة أنَّها تتوقَّف عن العمل.

لا يؤثِّر حثلُ دوشين العضلي في المثانة أو الأمعاء أو الوظيفة الجنسيَّة، ولا يترافق مع ألم لا يُحتمل. ولكن، يمكن أن تسبِّب التقفُّعاتُ العضلية الإحساسَ بالألم، غير أنَّ هذا الألمَ يمكن تخفيفُه بواسطة الأدوية.


أسباب الحثل العضلي

يُصيب حثلُ دوشين العضلي في المقام الأوَّل العضلاتِ التي ترتبط بالعظام. ويستطيع الشخصُ التحكُّمَ بهذه العضلات، ولذلك تُسمَّى العضلات الإرادية، كما تُسمَّى العضلات الهيكلية أيضاً.

تقوم الأوتارُ بوصل العضلات إلى العظام. ويعدُّ وترُ أخيل (العُرْقوب – وهو الوَتَرُ العَقِبِيُّ خلفَ القدم) أحدَ أكبر الأوتار في الجسم.

تتكوَّن العضلاتُ من خلايا متخصِّصة طويلة تشكِّل الأليافَ العضلية. وعندما تتقلَّص العضلةُ، فإنَّها تصبح أقصر. ويؤدِّي ذلك إلى سحب الوتر وتحريك العظم الذي يرتكز عليه ذلك الوتر.

للخلايا العضليَّة، مثلها مثل باقي خلايا الجسم، جُدران أو أغشية. وتحتاج أغشيةُ الخلايا العضلية كي تبقى قويةً إلى بروتين يسمَّى الديستروفين. ويصنِّع جسمُ الشخص السليم هذا البروتين، ولكنَّ أجسام الأشخاص المصابين بحثل دوشين العضلي لا تستطيع تصنيعَ هذا البروتين.

تصبح أغشيةُ الخلية ضعيفة من دون الديستروفين؛ وهذا ما يسمح بتسرُّب موادَّ غير مرغوب فيها إلى داخل الخلية العضلية، ممَّا يؤدِّي إلى ارتفاع الضغط داخل الخلية. ويقود الضغطُ المرتفع كثيراً داخل الخلايا العضلية إلى موتها.

عندما تموت الخَلايا العضليَّة، فإنَّها تتورَّم وتتضرَّر.

يصنِّع الجسمُ آلاف البروتينات التي تجعلنا كما نحن الآن. ويقوم الجسم بتصنيع هذه البروتينات وفقاً للجينات أو المورِّثات الموجودة على الصِبغِيَّات (الكروموسومات). ويكون الجينُ المسؤول عن تَصْنيع الديستروفين مَعيباً عندَ المصابين بحثل دوشين العضلي.

إنَّ الأبوين اللذَين يحملان جيناتٍ مَعيبةً، قد ينقلونها إلى أبنائهم؛ ولهذا السبب، فإنَّ حثلَ دوشين وراثي أو جيني. ولكن لماذا يُصيب هذا المرضُ الذكورَ في المقام الأوَّل؟ علينا أوَّلاً أن نفهم كيف تنتظم الجيناتُ في الجسم حتَّى نستطيعَ الإجابةَ عن هذا السؤال.

توجد الجِينات، وهي الأجزاءُ الوراثية في الجسم، على الصِّبغيات. ويحتوي جسمُ الإنسان على ثلاثة وعشرين زوجاً من الصِّبغيات. وفي الحقيقة، تحتوي كلُّ خلية من خلايا الجسم على هذه الأزواج الثلاثة والعشرين، أو الستَّة والأربعين صِبغياً داخلها!

ولكنَّ الخلايا الوحيدة في الجسم التي لا تحوي ثلاثة وعشرين زوجاً من الصِّبغيات هي الحيوانات المنوية والبويضات؛ فلكلٍّ من الحيوانات المنوية المذكَّرة والبويضات المؤنَّثة ثلاثة وعشرون صِبغياً مُفرَداً فقط ــ واحد من كلِّ زوج.

عندما يُلقِّح الحيوانُ المنوي البويضةَ، تندمج الصِِّْبغيات الثلاثة والعشرون القادمة من الرَّجل مع الصِِّْبغيات الثلاثة والعشرون القادمة من المرأة لصنع ثلاثة وعشرين زوجاً. وتعدُّ الأَزْواج الثلاثة والعشرون الجديدة شخصاً جديداً تماماً!

وتوجد الجيناتُ على الصِّبغيات. ويملك الشخصُ اثنين من كل نوع من الجينات، واحد من أمِّه، وواحد من أبيه.

فعلى سبيل المثال، لدى الطفل جينان يحدِّدان لون العينين، أحدهما قادم من عند أبيه، والآخر من عند أمه؛ فإذا كان الأبُ قد أعطاه الجينَ الخاصَّ بلون العينين الأسود (B) وأعطته الأمُّ الجين الخاصَّ بلون العينين الأزرق (b)، فإنَّ الجينين اللذين يحدِّدان لون العينين عند هذا الطفل هما Bb.

ولمَّا كان الجينُ الخاصُّ بلون العينين الأسود أقوى من الجين الخاصِّ بلون العينين الأزرق، فنحن نقول إنَّ B سائد أو مسيطر وإنَّ b مُتَنَحِّي أو مقهور؛ فهذا يعني أنَّ عيني هذا الطفل ستكونان سوداوين ما دام يمتلك الصيغة الجينية Bb.

إنَّ الجينَ المَعيب الذي يسبِّب حثل دوشين العضلي هو جين مُتَنَحِّي؛ وهذا يعني أنَّ الجين الجيِّد هو السَّائد أو المسيطر.

لِنَقُلْ إنَّ M هو الجين الطبيعي للديستروفين، و m هو الجينُ المَعيب؛ فإذا كان لدى الشخص واحد على الأقل منهما M فهو لن يُصاب بحثل دوشين، لأنَّ M ، الجين الطبيعي، هو الأقوى وهو السائد؛ حيث يستطيع تَصْنيعَ كمِّية كافية من الديستروفين للعضلات.

أمَّا الشخصُ الذي لديه Mm فهو شخصٌ ناقل "حامل"، أي أنَّه يحمل الجينَ الذي يسبِّب الحَثَل العضلي، ولكنَّه غير مصاب بالمرض.

نعود الآن إلى مسألة: لماذا يُصيب الحَثَلُ العضلي الذكورَ في المقام الأوَّل. يكون لدى معظم أزواج الصِّبغيات صِبغيَّان متشابهان؛ والزوجُ الوحيد من الصِّبغيات غير المكوَّن من صِبغيين متشابهين هو زوج الصِّبغيات الجنسيَّة ــ الذي يقرِّر جنس المولود، ذكراً أم أنثى.

يُسمَّى الصِّبغيان اللذان يشكِّلان زوج الصِّبغيات الجنسيَّة X و Y؛ وقد دُعيا كذلك لأنَّهما يبدوان كتلك الاحرف اللاتينية تحت المِجْهَر. ويكون زوجُ الصِّبغيات الجنسية عند الإناث هو ( XX)، أمَّا عند الذكور فهو (XY).

عندما يُنجب زوجان طفلاً، فإنَّ كلاًّ منهما يعطيه صِبغيَّاً جنسيَّاً واحداً؛ فإذا أعطاه الذكر الصِّبغي Y فإنَّ الطفل سيكون ذكراً. أمَّا الأنثى، فإنَّها لا تستطيع أن تعطي إلاَّ صبغياً من النوع X. لذلك، فإنَّ الصِّبغي القادم من الاب هو الذي يحدِّد جنس الطفل.

يوجد الجينُ المسؤول عن تَصْنيع الديستروفين على الصِّبغي س فقط. وفيما يلي جميعُ التوليفات للصِّبغياتِ الجنسيَّة مع الجينات المسؤولة عن تَصْنيع الديستروفين:
  • Y XM = ذكر ليس لديه حثل دوشين العضلي.
  • Y Xm = ذكر لديه حثل دوشين العضلي.
  • XM Xm = أنثى ليس لديها حثل دوشين العضلي، ولكنَّها ناقلة للمرض.
  • Xm Xm = أنثى لديها حثل دوشين العضلي.


إذا أنجبَ رجلٌ لديه حثلُ دوشين العضلي طفلاً من امرأة ناقلة للمرض، فربَّما يكون المولود أنثى لديها حثل دوشين العضلي أيضاً. ولكنَّ هذا الأمر، في الواقع، يكاد لا يحدث إطلاقاً، لأنَّ الرجالَ المصابين بالمرض يكونون في حالة صحِّية بالغة السوء، في الوقت الذي يُفترض أنَّهم قادرون فيه على الإنجاب. وهذا هو السبب في أنَّه يندر إيجاد أنثى لديها حَثَل دوشين.

ينتقل حثلُ دوشين العضلي بالوراثة من نساء ناقلات "حاملات" لمرض؛ فإذا تزوَّجت امرأةٌ ناقلة من رجل سليم، فإنَّ فرصة أن يكون مولودُهما الذكر مصاباً بالحَثَل العضلي هي واحد إلى اثنين، أو خمسون بالمائة. وإنَّ فرصة أن تكونَ مولودتهما الأنثى ناقلة للمرض هي أيضاً واحد إلى اثنين أو خمسون بالمائة.

ولما كانت فرصة أن يكونَ المولود صبياً هي خمسون بالمائة دائماً، وبالمقارنة مع فرصة الخمسين بالمائة في أن يكونَ الصبي لديه حثل دوشين العضلي، فإنَّ فرصة أن يكون لدى هذين الزوجين طفل لديه حثل دوشين العضلي هي واحد إلى أربعة، أو خمسة وعشرون بالمائة.

تعيد الجيناتُ تنظيم أو ترتيب نفسها؛ وتُسمَّى هذه العملية من حالات إعادة الترتيب أو التنظيم بالطفرات. ولقد حصلت طفرات مُختَلِفة لجين الديستروفين عندَ أسلاف الإنسان منذ آلاف السنين، ولم تكن بعضُ هذه الطفرات مؤذية، بينما أدَّى بعضها الآخر إلى عجز الجسم عن إنتاج بروتين ديستروفين صالح للعمل.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح المرضُ وراثياً، وانتقل من جيل إلى جيل. ومع ذلك، من الممكن نظرياً أن يتحوَّلَ جين الديستروفين النظامي عند شخص سليم إلى جين مََعيب، ويسبِّب حثلاً عضلياً عند ذرَّيته.

ربما تفكِّر المرأة التي ترغب بإنجاب طفل، ولديها حثل دوشين العضلي في عائلتها، بإجراء استشارة جينية؛ حيث يمكن أن تحدِّد الاختبارات الجينية ما إذا كانت الأم ناقلة للمرض أم لا.


تشخيص الحثل العضلي

عندما يكون عند شخص ما أعراضُ الحَثَل العضلي، فإنَّ الطبيب يحتاج إلى القيام بتشخيص المرض. وسيكون عليه استبعادُ الأمراض الأخرى التي تصيب العضلات والأعصاب.

سيقوم الطبيب بأخذ التاريخ المَرَضي، وإجراء فحص طبي. وقد تدعو الحاجةُ إلى إجراء اختبارات إضافية لتأكيد التشخيص. ويمكن أن يكونَ من بينها اختبارات دموية أو فحص خزعة من العضلات أو اختبارات جينية.

تهدف الاختباراتُ الدموية إلى البحث عن مواد خاصَّة في الجسم، مثل إنزيم كيناز الكرياتينين CK؛ فالمستوياتُ العالية من هذا الإنزيم تترافق مع الحَثَل العضلي.

ويقوم الطبيبُ من خلال تخطيط كهربيَّة العضلات بقياس النشاطَ الكهربيَّ الذي تولِّده العضلات والأعصاب، حيث يمكن أن تشير التغيّراتُ في النشاط الكهربيِّ إلى مرض عضلي.

يجري إدخالُ إبرة رقيقة مُتَّصلة بمسرى كهربائي عبر الجلد إلى العضلة لفحصها. ويطلب الطبيبُ من المريض أن يُقلِّصَ العضلة ويُرخيها، بينما يقوم جهازٌ بتسجيل النشاط الكهربإئي. ويتمُّ فحص عدَّة عضلات بهذه الطريقة لتحديد العضلات المصابة.

يقوم جهازُ الأمواج فوق الصوتية "الإيكو" بالتقاط صور للبُنى داخل الجسم. وتُرسَل هذه الموجاتُ من خارج الجلد، وتقوم البُنى داخل الجسم بعكس هذه الموجات، كما تفعل المرآة، فيقوم الحاسوب برسم صور لهذه البُنى اعتماداً على الموجات المُنعكسة. والتصويرُ بجهاز الأمواج فوق الصوتية غير مُؤلم.

أمَّا أخذُ خزعة أو عيِّنة من العضلة، فيكون بأخذ قطعة صغيرة من العضلة لفحصها تحت المِجهر. ويقوم طبيبٌ يُدعى اختصاصي الباثولوجيا (أي علم التشريح المَرضي) بدراستها في المختبر والبحث عن الحَثَل العضلي.

إنَّ الاختبارات الجينية هي تحليل لصِبغيَّات الشخص، حيث تستطيع التكنولوجيا الطبِّية الآن تكبيرَ البُنى أو التراكيب التي تكون في غاية الصِّغر لاكتشاف ما إذا كان جينُ الديستروفين مَعيباً. كما يمكن أن تُبيِّن الاختبارات الجينية ما إذا كانت الأنثى ناقلة للمرض أيضاً.


علاج الحثل العضلي

يعدُّ حثلُ دوشين العضلي مرضاً غير قابل للشفاء للأسف. ولكن هناك بعضُ الأدوية لمعالجته، حيث تجعله يأخذ وقتاً أطول كي يتفاقم. كما أنَّ المعالجةَ تحدُّ من المضاعفات، وتساعد المريض على البقاء مستقلاًّغير معتمد على الآخرين وتُحسِّن نوعيةَ حياته.

ومن المعالجات المستخدَمة نذكر المعالجة الفيزيائية والمعالجة المهنية والمعالجة بالأدوية والجراحة.

يقومُ هدفُ المعالجة الفيزيائية على المحافظة على مرونة الجسم واستقامته قدر الإمكان، حيث يمكن أن تساعدَ تمارينُ التمديد أو التمطيط على تأخير، وربَّما منع حدوث التقفُّع - بإذن الله - عند الرجال المصابين بضُمور دوشين العضلي. ويقوم المعالجون الفيزيائيون بتعليم المرضى كيف يحرِّكون المفاصل ويساعدونهم على منع الأوتار من القِصَر.

يُدعى القِصرُ والتيبُّس في الأوتار بالتقفُّع؛ وأكثر ما تُشاهد التقفُّعات في:
  • وتر أخيل (العُرْقوب) في الكاحل.
  • العضلات القابضة للركبة أو أوتار المَأبِض.
  • العضلات القابضة للورك.


تستطيع أجهزةُ الاستناد أو الدِّعامات منعَ أو تأخير حدوث التقفُّعات. كما يُمكنها المحافظة على الكاحل منحنياً باتجاه الأعلى وعلى الركبة مستقيمة، بحيث لا تنحني إلى الخلف. ومن أسماء هذه الأجهزة مُقَوِّم الكاحل والقدم ومُقَوِّم الركبة والكاحل والقدم.

كما يمكن أن تساعدَ الحمَّاماتُ الدافئة أيضاً، وتُسمَّى المعالجة المائية، في المحافظة على مجال الحركة في المفاصل.

وتساعدُ المعالجةُ المهنية المرضى على القيام بأشياء خاصَّة بهم؛ فيتعلَّمون، على سبيل المثال، كيف يرتدون ملابسهم، وكيف يمشون، وكيف يستخدمون الحمَّام والحاسوب، وغيرها من المهام اليومية. وتتجلَّى المهاراتُ الجديدة التي ينبغي تعليمها للمرضى، عندما يزداد المرض سوءاً، في تلك المهامِّ الضرورية للقيام بالأشياء الأساسية فقط.

هناك عدَّة أجهزة متوفِّرة للمساعدة على القيام بالمهامِّ اليومية؛ ومن هذه الأجهزة:
  • مقاعد المرحاض المرتفعة.
  • كراسي الاستحمام.
  • المكاتب الخاصَّة.
  • المزالق المائلة.
  • الدرابزونات.
  • الكراسي المتحرِّكة.


هناك إجراءاتٌ جراحية يمكن القيامُ بها لتخفيف الألم الناجم عن التقفُّعات؛ حيث يمكن، على سبيل المثال، إطالة وتر أخيل في كعب القدم للسماح للقدم بالعودة الى موقعها الطبيعي. وعلى الطفل، بعد هذه العملية الجراحية، أن يضع جبيرة ودعائم للساق لمنع حدوث التقفُّع ثانيةً.

قد تصبح الجراحةُ ضروريةً بعد أن يغدو الصبي معتمداً على الكرسي المتحرِّك، وذلك لمنع حدوث الجَنَف. كما يمكن غرسُ قضبان من الفولاذ لتقوية العمود الفقري وحمايته من الانحناء.

ربَّما يصف الأطبَّاءُ أدويةَ الستيرويدات القشريَّة كالبريدنيزون، حيث تساعد هذه الأدوية في المحافظة على قوَّة العضلات، وتسمح للمريض بالمشي فترة أطول.

لأدوية الستيرويدات القشريَّة آثار جانبية خطيرة، منها:
  • زيادة الوزن.
  • العُدُّ أو حبُّ الشباب.
  • إضعاف العظام.
  • إضعاف الجهاز المناعي.


يؤثِّرُ حثلُ دوشين العضلي في مراحله المتقدِّمة في عضلات الرئتَين والصدر، الأمر الذي يجعل من الصعب على المريض أن يتنفَّس وأن يقاومَ الأمراض التنفُّسيّة المُعدية. ولهذا، يجب على المرضى المواظبة على تلقِّي اللقاحات للوقاية من الأنفلونزا والالتهاب الرئوي، كما ينبغي أن يخضعوا لفحص طبي إذا ظهرت عليهم أيَّةُ علامات قد تدلُّ على وجود مشكلة رئوية.

يمكن أن يساعد استعمالُ قناعٍ للوجه، متَّصل بجهاز تهوية، المريضَ على التنفُّس. وإن هذه التهوية خارجية وانبوب التهوية لا يدخل الجسم. ومع ترقِّي حثل دوشين العضلي، فإنَّه يُضعِف عضلات الرئتين. وهذا ما يجعل المريض يحصل على كمِّية أقل من الأكسجين في أثناء الليل. ولذلك، يحسِّن استعمالُ جهاز التهوية "المنفاسَ" في ‎أثناء الليل من نوعية النوم، كما يحسِّن الأكسجة، وهذا ما يؤدِّي بدوره إلى تحسين نوعية الحياة خلال النهار.


التلاؤم

يواجه والدَا وأفراد عائلة المُصاب بحثل دوشين العضلي تحدِّيات جسدية ونفسيَّية ومالية كبرى.

تعدُّ المعرفةُ الجيِّدة بهذا المرض، وما الذي يمكن توقُّعه منه، أحد جوانب الاستعداد لمواجهته. ولذلك، يمكن أن يساعدَ الانضمامُ إلى مجموعة دعم المرضى وأفراد العائلة والأصدقاء على التلائم مع المرض. كما يمكنهم أيضاً التحدُّث مع أفراد أسر أخرى تواجه تجربة مماثلة.

يمكن سؤال الطبيب عن مجموعات الدعم أو المؤسَّسات الخيريَّة في المجتمع الذي ينتمي إليه المريض، كما توجد العديدُ من مجموعات الدعم على الإنترنت، حيث يمكن البحث عنها.

على الوالدين الإجابة عن أسئلة ابنهما بصدق قدر الإمكان؛ وعليهما استعمال كلمات سهلة الفهم.

كما أنَّ عليهما تشجيع الطفل على المحافظة على أعلى مستوى ممكن من الاستقلالية وعدم الإفراط في تدليله؛ فمع الحبِّ والدعم اللذين يقدِّمانهما لطفلهما، يجب تعليمُه النظام والمسؤولية أيضاً.

ليس على الوالدين أن يلومَ نفسهما بخصوص مرض ابنهما؛ فنحن جميعاً نرث آلاف الأمراض من آبائنا، وهذا أمر الله لا مفرَّ منه.

يجب أخذُ راحة من مسؤولية العناية بالطفل عندما يكون ذلك ممكناً، كي يتمكَّن الوالدان من تخصيص بعض الوقت لنفسيهما.


الخلاصة

يعدُّ حثلُ دوشين العضلي مرضاً وراثياً، ينجم عن جين مَعيب على الصبغي X. ويُصيب الصبيان الصغار في المقام الأوَّل، وهو النوع الأكثر انتشاراً للحَثَل العضلي.

يولد الصبيُّ وهو مصاب بالمرض. وتبدأ علاماتُ المرض بالظهور في سنِّ الثانية، ومنها صعوبةُ النهوض من وضع الاستلقاء والتَّمايل أو الترنُّح في أثناء المشي. وعندما تزداد عضلاتُ الطفل ضعفاً، يغدو في النهاية غيرَ قادر على المشي بنفسه، ويحتاج إلى كرسي متحرِّك.

تتوفَّر بعضُ المعالجات التي تعمل على تأجيل حصول التقفُّعات في المفاصل، وإطالة الفترة التي يبقى فيها المريضُ قادراً على الحركة من دون مساعدة. ومن المعالجات المستخدَمة المعالجةُ الفيزيائية والمعالجة المهنية والأجهزة المساعدة والمعالجة بالأدوية والجراحة.

الشفاءُ من حثل دوشين العضلي غيرُ ممكن حالياً. ولكن، هناك بحوثٌ جرت في السنوات الأخيرة تشجِّع وتقترح إمكانية معالجة هذا المرض في المستقبل القريب، عن طريق مساعدة الجسم على تَصْنيع الديستروفين الضروري للمحافظة على صحَّة العضلات، أو تصنيع مادَّة شبيهة اخرى.


 

أخر تعديل: 22 اغسطس 2011